الراغب الأصفهاني
622
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
وأحسن الأرض مخلوقة الريّ ، وأحسن الأرض مصنوعة جرجان « 1 » ، وأحسن الأرض قديمة وحديثة جندي سابور « 2 » وهو شر البلاد . ودخل محمد بن عبد الملك الزيات على المأمون فقال : صف لي أصبهان وأوجز . قال : هواؤها طيب وماؤها عذب وحشيشها الزعفران ، وجبالها العسل ، إلا إنها لا تخلو من خلال أربع : جور السلطان ، وغلاء الأسعار ، وقلة مياه الأمطار فأطرق ساعة ، وقال : لعلّ تجارها مرابون وقراءها منافقون . وقال المأمون : صف لي فارسا قال فيه من كل بلد بلد . وسئل أعرابي عن شهرزور « 3 » فقال : إن رجالها لنزق وعقاربها لبرق أي شائلة أذنابها . وقال في بغداد : هي الشمطاء الحرقة والعجوز المتدللة والعمياء المتكحلة ، والشملاء المختضبة . هواؤها دخان ونسيمها صدام تنقبض فيها أيدي المستغنين ، وتصغر أنفس المفضلين . تجارها أسد مفترسون وصناعها لصوص مختلسون جارها حاسد ومزاجها فاسد . مضارّ البلدان ومنافعها خيبر يحمّ بها كل يوم مقيموها دون الطارئين عليها : ولكنّ قومي أصبحوا مثل خيبر * بها داؤها ولا يضرّ الأعاديا وقيل حمى خيبر ، وطحال البحرين ، ودماميل الجزيرة ، وطاعون الشأم . ومن أقام بالأهواز حولا فتفقد عقله وجد فيه نقصا بينا . ومن أكثر الصوم بمصيصة « 4 » خيف عليه الجنون . وقصبة الأهواز تقلب من نزلها إلى طبائع أهلها ، ومحمومها إذا نزعت عنه الحمى عادته من غير علة . وفي جبالها الأفاعي وفي بيوتها الحرارات . وقيل من نزل الكوفة ولم يقرّ لهم بثلاث فليست له بدار بفضل أمير المؤمنين وماء الفرات ورطب المشان . ومن نزل البصرة ولم يقر لهم بثلاث فليست له بدار فضل عثمان والحسن ورطب السكر . وقال حكيم بن جابر : قال الجوع أنا لا حق بأرض العرب قالت الصحة : وأنا معك . عجائب البلدان بشيراز تفاحة نصفها في غاية الحلاوة ونصفها في غاية الحموضة . وبقرب
--> ( 1 ) جرجان : مدينة مشهورة بين طبرستان وخراسان ، أخرجت العديد من الأدباء والعلماء ( انظر معجم البلدان : 2 / 139 ) . ( 2 ) جندي سابور : مدينة بخوزستان بناها سابور بن أردشير فنسبت إليه ( انظر معجم البلدان : 2 / 198 ) . ( 3 ) شهرزور : كورة واسعة في الجبال بين إربل وهمذان ( معجم البلدان لياقوت : 3 / 425 ) . ( 4 ) مصيصة : مدينة على شاطئ جيحان من ثغور الشام بين أنطاكية وبلاد الروم ، على مقربة من طرسوس .